دراسات حديثة: الإرهاب واحد أم متعدّد؟
صدر عن مخبر الفكر الإسلامي وتحوّلاته وبناء الدولة الوطنية العدد الثاني من مجلّته المحكّمة متضمّنا محورا بحثيا أساسيا موضوعه "الإرهاب واحد أممتعدّد؟". وإنّ اختيار هذا الموضوع يفسح المجال لإعادة تفهّم ظاهرة الإرهاب بمنأى عن النظرة الأحادية والمقاربات الاختزالية. ويضع بين أيدي صانعي القرارمداخل متنوّعة لمعالجتها مادام شرط التجاوز مقترنا بتلافي أسباب شيوع الإرهاب وتناميه. رغم أنّ هذا يستدعي عملا طويل النفس لن تثمر نتائجه إلاّ على أمد متوسّط أو بعيد....
وقد أفضى المنهج المركّب المعتمد في تدبّر مسألة الإرهاب إلى استحضار جلّ التصوّرات المساعدة في تمثّلها وفق انتظام قائم على التدرّج والتكامل بحيث شكّلت دراسات العدد عملا مؤسسيّا خيطه الناظم التأليف والانسجام..
اهتمّت الدراسة الأولى المثبتة في فهرس العدد التي أعدّها الأستاذ محمد إدريس بتقييم جذور العنف في الأديان الكتابية من خلال مقارنة بين ما ورد في النصوص اليهودية والمسيحية والإسلامية المؤسّسة والشعائر والطقوس الممارسة في التجارب التاريخية لتلك الأديان ومنظوريها. أمّا الدراسة الثانية التي أنجزتها الباحثة نجاة قرفال فقد بحثت في بواكير الاستعراب وتأثيراته في ترسيخ صور نمطية للعرب والمسلمين انطلاقا من كتابات شارل منشيكور أحد رموز الاستعراب بشمال أفريقيا.
وقد مكّنت المقاربة السوسيولوجية الأستاذ مصباح الشيباني من كشف مختلف التلاعبات التي حفّت باستخدام مفهوم متغيّر للإرهاب خاضع لسياقات معيّنة تحدّدها القوى المستفيدة منه في إعاقة تحرّر المجتمعات الطامحة إلى الحرية والعدالة والديمقراطية...
أمّا الدراستان الرابعة والخامسة فإنّهما اشتغلتا وفق مقاربتين مختلفتين على مثالين مهمّين: يتعلّق المثال الأوّل بدراسة سوسيولوجية لعلاقة الشباب العربي بالإرهاب بمختلف توظيفاته السياسية التي تعرقل نجاح الانتفاضات العربية واكتمال مسيرتها الثورية، وهي من إعداد الباحثة شادلية عبد الله. بينما يهمّ المثال الثاني الحركات الجهادية التي تعتمد تأويلات أيديولوجية في قراءة النصوص الدينية والتراثية لخدمة مطامحها السياسية في السلطة والتسلّط من ذلك مقولة "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" التي تحوّلت إلى شعار فضفاض يهدّد استقرارالمجتمعات العربية وتطوّر مسيرتها الحضارية مثلما أشار إلى ذلك الباحث سمير ساسي صاحب هذه الدراسة.
وقد خيّر الأستاذ العراقي عبّاس الأمير رصد ظاهرة التطرّف الديني في إطارالتحوّلات التي أفرزتها ما بعد الحداثة في المجال التداولي الغربي، ملمّحا إلى أثرالعولمة في تفاقم ظاهرة الإرهاب وانتشارها...
ولئن اتّصلت دراسة "الذات والغيرية" بنفس ذلك السياق التاريخي ما بعدالحداثي، فإنّها قد اختصّت بمقاربة نقدية استشرافية استندت إلى تصوّرين مختلفين لتمثّلات الذات والآخر وأوجه العلاقة بينهما انطلاقا من تصوّرات الباحث التونسي عبد الوهاب بوحديبة والمفكّر الفرنسي آلان تورين.
ولم تكن بقية أركان العدد منفصلة تماما عن إشكاليات الملف البحثي الرئيسي. إذ تمّ في ركن مقاربات إدراج بحوث متصّلة بقراءة النصّ القرآني وثقافة الحوار والتعامل مع الأقلّيات في التراث النبوي والفقهي الإسلامي. فضلا عن تقديم قراءة لكتاب مهمّ للمفكّر اللبناني جورج قرم لم ينل ما يستحق من الاهتمام. رغم جدّة مقاربته لمسألة الإرهاب ورصده لسياسات التلاعب بالهوية والذاكرة التي ينتهجهاالغرب وتوظفها الولايات المتحدة الأمريكية في استراتيجياتها القائمة على تقديم الهيمنة على البقاء...
وللإشارة تتبع هذه المجلّة إداريا لمركز الدراسات الإسلامية بالقيروان (جامعةالزيتونة).وقد أشرف على ترؤّس تحريرها الدكتور عبد الباسط الغابري.